شهد الصالون الثقافي بمعرض الدوحة الدولي للكتاب، ندوة بعنوان «المعرفة وصناعة النهضة.. دور القراءة في تشكيل الأمم»، وذلك في إطار الفعاليات الثقافية المصاحبة للمعرض.

قدمت الندوة الدكتورة منال القثامي اكاديمية وناقدة سعودية، والتي تناولت العلاقة الوثيقة بين القراءة وبناء الوعي الفردي والجمعي، موضحة أن الوعي يعد الخطوة الأولى في طريق نهضة المجتمعات، وأن الإنسان لا يستطيع فهم ذاته والعالم من حوله في ظل الفقر المعرفي أو القطيعة مع الكتاب.

وقالت إن القراءة تمثل الركيزة الأساسية في بناء الإنسان وصناعة النهضة، مشددة على أن أي مشروع حضاري حقيقي يبدأ من تكوين الفرد الواعي القادر على التفكير والتحليل والنقد.

وبيّنت أن القراءة لا تمنح الإنسان المعرفة فقط، بل تمدّه بالخبرات والتجارب الإنسانية التي توسع رؤيته للحياة، مشيرة إلى أن قراءة التاريخ تساعد على فهم تحولات الأمم وصعودها وسقوطها، فيما يفتح الأدب الباب أمام فهم النفس البشرية وتعزيز قيم التعاطف، بينما تمنح العلوم والفلسفة أدوات التحليل والتفسير والنقد.

وأكدت القثامي أن المجتمعات القارئة تكون أكثر قدرة على مواجهة التضليل الفكري والإعلامي، لأن القارئ لا يتعامل مع الأفكار بصورة عمياء، بل يميل إلى التمحيص والمقارنة وطرح الأسئلة، معتبرة أن القراءة تسهم في تكوين العقل النقدي الذي يشكل أساس أي مجتمع متقدم وقادر على مواجهة التطرف والانغلاق.

وأشارت إلى أن من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة تنامي السطحية المعرفية الناتجة عن الاكتفاء بالمحتوى السريع والمختصر، الأمر الذي يؤثر في قدرة الإنسان على التأمل والتفكير العميق، مؤكدة أن القراءة تمثل مقاومة حقيقية لهذه السطحية عبر إعادة بناء العقل المنهجي القادر على الفهم والتحليل.

وفي محور الهوية الثقافية، شددت القثامي على أن القراءة تؤدي دورًا محوريًا في حفظ الذاكرة الفكرية والقيمية للأمم، موضحة أن الكتاب ظل عبر التاريخ وعاءً للمعرفة ووسيلة لنقل التراث والأفكار بين الأجيال.

وقالت إن قراءة الأدب والتاريخ والفكر تسهم في تعزيز الانتماء الثقافي وترسيخ الهوية الحضارية، مع أهمية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح الواعي على الثقافات الأخرى.

وتناولت الندوة دور الكتاب في حماية اللغة العربية وتعزيز حضورها، معتبرة أن تراجع القراءة يقود بالضرورة إلى ضعف اللغة والفكر والانتماء الثقافي، فيما يسهم ازدهار القراءة في بناء مرجعية ثقافية مشتركة تعزز الحوار والتفاهم داخل المجتمع.

وشددت على أن القراءة قد تبدأ ممارسة فردية، لكنها تتحول مع انتشارها إلى قوة اجتماعية مؤثرة قادرة على صناعة التغيير والتنمية، لافتة إلى أن المجتمعات التي تستثمر في المعرفة والقراءة والتعليم هي الأقدر على الابتكار والإبداع وبناء مستقبل أكثر وعيًا وحرية ومسؤولية.