شهد الصالون الثقافي بمعرض الدوحة الدولي للكتاب ندوة فكرية نظمها مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، تحت عنوان “إصدارات حديثة في مجال الحوار: قراءة تحليلية في الدراسات المعاصرة حول الحوار الديني”.
أدار الندوة وقدمها الباحث الأكاديمي في الفكر الإسلامي الدكتور سيكو مارافا توري، واستضافت الدكتور إبراهيم محمد زين، أستاذ دراسات الأديان والمذاهب بجامعة حمد بن خليفة، والدكتور الكوري السالم، الأستاذ بجامعة قطر، حيث سلطت الندوة الضوء على أحدث النتاجات العلمية للمتحدثين، ومناقشة أبعادها المنهجية والواقعية.
وفي مستهل الندوة، استعرض الدكتور إبراهيم زين قصة ومضمون كتابه الصادر بالإنجليزية بعنوان “COVENANTS WITH ALLAH: KEYSTONE OF ISLAM” (الميثاق مع الله: حجر الزاوية في الإسلام)، والذي جاء بالشراكة مع الباحثين أحمد الوكيل و أ. د. حليم من جامعة غريفيث بأستراليا.
وأوضح د. زين أن فكرة الكتاب تطورت من رصد تاريخي لمواثيق وعهود النبي ﷺ، إلى دراسة دلالية وفلسفية عميقة لمفهوم “الميثاق” في القرآن الكريم، بدءا من الفطرة الإنسانية، وصولا إلى تنظيم العلاقات بين البشر.
وأضاف: “إن الميثاق في المنظور الإسلامي يتميز بأنه ميثاق أخلاقي قيمي بالدرجة الأولى، لا يقوم على اعتبارات عرقية، وهو مشترك إنساني تبنى عليه الحضارات”، مؤكدا أن الفصلين الأخيرين من الكتاب تم تأليفهما بالتزامن مع الحرب على غزة، ليرصدا الخلل في النظام العالمي المعاصر الناتج عن غياب العهود والمواثيق الأخلاقية.
من جانبه، تناول الدكتور الكوري السالم فلسفة كتابه “المشتركات العقدية في الديانات السماوية وترسيخ أسس التعايش”، مبينا أنه يمثل امتدادا لأطروحته السابقة حول تدبير الخلاف العقدي داخل الفضاء الإسلامي، لكنه يتسع في هذا الإصدار ليشمل ديانات أهل الكتاب، مدفوعا بظلال صراع الحضارات الذي يعد العالم الإسلامي المتضرر الأكبر منه.
وأكد د. السالم أن المنهجية القرآنية القائمة على قوله تعالى: «يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء»، تفتح الباب واسعا للتنقيب عن مساحات التقاطع في مفاهيم الألوهية والنبوة والمحاكمة الأخلاقية، دون تذويب للخصوصيات العقائدية. واستشهد بكتابات مسيحية قديمة ككتابات يحيى بن عدي، التي رأت في سورة الإخلاص أرضية مشتركة للتفاهم، مشددا على أن الهدف هو صياغة قواعد عملية تحمي المجتمعات وتؤسس لتعايش حقيقي.
وشهدت الندوة نقاشا عميقًا حيث استرجع المتحدثون نموذج “صحيفة المدينة” بوصفها وثيقة دستورية متقدمة تاريخيا، أقرها النبي ﷺ لتكفل لغير المسلمين حريتهم الدينية والتعليمية وحقوقهم داخل المجتمع، في زمن كانت فيه الإمبراطوريات المعاصرة (كالرومانية والفارسية) تقوم على الاضطهاد الديني والمذهبي الصارم.
وتطرق النقاش إلى أن تفكيك الأصول القرآنية الداعمة للتعايش يكشف عن منظومة فكرية متكاملة؛ ترتكز ابتداء على التكريم الإنساني المطلق المبني على القيمة الآدمية الفطرية دون التفات لدين أو عرق، تصديقا لقوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم»، كما تقوم هذه المنظومة على التأسيس للاعتراف بالتنوع البشري كجسر وحيد لبناء قيم التعارف والتآلف، فضلا عن ترسيخ مبدأ رفض الإكراه في الدين، وضمان إقامة العدل واستدامته حتى مع الخصوم.
وفي ختام الندوة، وجه المتحدثون رسالة مشتركة لجمهور معرض الدوحة الدولي للكتاب، أكدوا فيها أن تنزيل هذه الدراسات النظرية على الواقع المعاصر يمثل ترياقا لخطابات العنصرية والكراهية المتصاعدة عالميا، موضحين أن المنهجية القرآنية تبدأ من “التعارف” المعرفي، الذي يثمر “تآلفا” قلبيا، لينتهي بالضرورة إلى “تعايش” سلمي يحفظ كرامة الإنسان.