شهد الصالون الثقافي بمعرض الدوحة الدولي للكتاب ندوة فكرية ملهمة نظمها مركز النور للمكفوفين تحت عنوان “المكفوفون في الواجهة: من التلقي إلى التأثير”، بمشاركة ثلاثة من الكفاءات القطرية والعربية التي حطمت قيود الإعاقة البصرية لتتحول من خانة استهلاك المعرفة وتلقي المساعدة، إلى منصة صناعة التأثير والإبداع والقيادة الفكرية والمهنية.
وبهذه المناسبة، أشاد السيد عبد الرحمن الدليمي، مدير إدارة الثقافة والفنون بوزارة الثقافة، بالمشاركة المتميزة لمركز النور للمكفوفين، واصفا إياها بأنها “مشاركة جديرة بالانتباه والتقدير”، حيث نجحت في استعراض تجارب ملهمة لمنتسبي المركز، وتناول التحديات التي واجهوها وكيفية تجاوزها للتحول من مرحلة التلقي إلى صناعة التأثير الحقيقي في المجتمع.
وقال: “إن ما شهدناه اليوم من استعراض لتجارب ذوي الإعاقة البصرية وتجاوزهم لهذه التحديات الكبرى يعتبر إنجازا عظيما يضاف إلى رصيد الإنجازات الوطنية لهذه الفئة الغالية. وتواجد أصحاب هذه الطاقات الإبداعية معنا اليوم في الصالون الثقافي هو أكبر دليل على الحرص البالغ لوزارة الثقافة على إدماج ذوي الإعاقة في الأنشطة والفعاليات الثقافية بشكل عام، وتمكينهم من قيادة المشهد الثقافي بإرادتهم وعزيمتهم القوية”.
الندوة التي أدار الإعلامي أ. حسن الساعي، لم تكن مجرد استعراض لنصوص إنشائية، بل جاءت تجسيدا واقعيا لقصص نجاح ونماذج وطنية يحتذى بها في مجالات التكنولوجيا، والعلوم الدينية، والشؤون القانونية.
افتتح الحديث د. مختار خواجة (الإعلامي والباحث في الفكر الأخلاقي)، مسلطا الضوء على القفزة النوعية التي شهدتها التقنية خلال العقدين الماضيين، حيث تحولت من “أدوات إدخالية مساعدة” تحتاج إلى تركيب خارجي معقد، إلى ميزات مدمجة تلقائىا في أنظمة التشغيل الذكية.
وعن الطفرة الحالية في عالم الذكاء الاصطناعي، وصف د. خواجة تطبيقاته بـ “المساعد الذكي الذي يقف بجانب الكفيف ولا يكتب نيابة عنه”، مشيرا إلى أن امتلاك هذه الأدوات الحديثة يمنح الكفيف قدرة مضاعفة على مراكمة المعرفة وإعادة إنتاجها مدفوعا بشغف ودافعية ذاتية عارمة لإثبات الوجود.
من جانبه، شارك أ. عبدالله حمد بوشريدة (باحث قراءات أول بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) الحضور تجربته الملهمة، مؤكدا أن التنشئة الأسرية الواعية ممثلة في والدته التي لم تعامله قَط بحساسية أو نقص، كانت حجر الأساس في مسيرته.
واستعرض بوشريدة كيف أسهم حفظه للقرآن الكريم بمركز النور في شحذ مهاراته الذهنية ورفع معدلاته الدراسية في الثانوية العامة إلى تسعينيات المئوية، داحضا الفكرة المغلوطة بأن الانشغال بالقرآن يعطل التحصيل العلمي. بوشريدة الذي يجمع اليوم بين وظيفتين (تقييم الأئمة والخطباء صباحا، والإمامة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب مساء)، يستعين حاليا بالذكاء الاصطناعي للتبحر في أمهات كتب القراءات كـ “الشاطبية”، مستعرضا طموحه في نيل الدكتوراه ومواصلة التحكيم الدولي، وهو ما برهن عليه عمليا بتلاوات قرآنية عذبة أبهرت الحضور بروايات متعددة.
وفي سياق متصل، استعرض المستشار القانوني بمؤسسة سدرة للطب، أ. عباد وليد الشمالي، تجربته الأكاديمية بجامعة قطر في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، وكيف استطاع التغلب على عائق الرؤية البصرية عبر تطوير مهارة استثنائية تجمع بين مهارة الاستماع الفائق والكتابة السريعة في آن واحد، تلافيا لضياع وقت التسجيل الصوتي.
وتحدث الشمالي بشفافية عن تحوله الفكري تجاه مهنة المحاماة التي كان يرفضها سابقا، حيث استقر في قناعته عقب نقاش مع محام قطري أن الرسالة الحقيقية للمهنة هي “الدفاع عن المظلوم” وحمايته من الثغرات الإجرائية، مؤكدا أهمية المرونة الفكرية للقانوني في اتباع الحق أينما ظهر، كاشفا عن خطته المستقبلية لتأسيس مكتب محاماة خاص به بعد إصداره كتابا متميزا في قانون العمل القطري.
واختتمت الندوة برسالة بالغة الأهمية من د. مختار خواجة، دعا فيها المجتمع إلى ضرورة التخلص من ثنائية “الشفقة أو الإبداع الخارق” في التعامل مع ذوي الإعاقة البصرية، والتركيز على إنسانيتهم وعقولهم مع تقديم الدعم النوعي المحدد الذي يتيح لكل كفيف إبراز موهبته وصناعة نسخته الخاصة من النجاح.
وأجمع الحضور من خلال المداخلات على أن هذا الانتقال المشهود من “التلقي إلى التأثير” ما كان ليتحقق لولا تكامل ركيزتين أساسيتين: حاضنة أسرية مؤمنة بقدرات أبنائها، ورعاية مؤسسية مستدامة تقودها الدولة ومركز النور للمكفوفين.