احتفت وزارة الثقافة، باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، المقرر في 17 أكتوبر من كل عام، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو”، واللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، وذلك تأكيدا منها على أهمية حماية هذا الإرث العريق الذي يمثل ذاكرة الشعوب، ومستودع قيمها وتقاليدها ومعارفها التي تتناقلها الأجيال عبر الزمن.

شهدت الاحتفالية زخما كبيرا وتنوعا في الفعاليات والأنشطة المصاحبة التي أقيمت بمقر الوزارة، صباح اليوم، وتضمنت عرضا حيا لفنون العرضة القطرية، ومعرضا فنيا وتراثيا ضم نماذج حية للحرف والصناعات الشعبية، إضافة إلى تقديم الأكلات الشعبية التقليدية التي تعكس عراقة الموروث القطري. كما تخلل الحفل عرض فيلم وثائقي سلط الضوء على جهود الدولة في توثيق وحماية التراث غير المادي.

وبهذه المناسبة، أعربت الشيخة نجلاء بنت فيصل آل ثاني، مدير إدارة التراث والهوية، عن اعتزازها بالاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، مؤكدة أنه يمثل ذاكرة الشعوب ومرآة هويتها الثقافية ومستودع قيمها وتقاليدها التي تناقلتها الأجيال عبر الزمن.

وقالت: “إن التراث الثقافي غير المادي ليس مجرد ممارسات وعادات وروايات من الماضي، بل هو تراث حي يتجدد مع الحياة، ويحمل في تفاصيله قصص الإنسان وخبراته وعلاقته بمجتمعه وبيئته، وهو ما يتجلى في الفنون الشعبية، والحرف التقليدية، والأهازيج البحرية، والعادات الاجتماعية، وفنون الضيافة، والمأكولات الشعبية، وغيرها من الممارسات التي تشكل جزءا أصيلا من هويتنا الوطنية”.

وأوضحت مدير إدارة التراث والهوية أن التراث الثقافي في دولة قطر يحظى باهتمام كبير انطلاقا من الإيمان الراسخ بأهمية صونه وتوثيقه ونقله إلى الأجيال الجديدة باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الهوية الثقافية.

وأشارت إلى أن المحافظة على هذا الموروث مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الثقافية، والمجتمع المحلي، وحملة التراث الذين يمثلون الذاكرة الحية له، مضيفة: “إن حماية التراث لا تقتصر على حفظه في السجلات والوثائق، بل تمتد إلى ممارسته وتدريسه وإدماجه في حياتنا اليومية، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة في توثيقه ونشره دون المساس بأصالته أو احترام خصوصيته وحقوق حامليه، فالأمم التي تعتز بتراثها قادرة على الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل”.

من جانبه، أعرب السيد صلاح الدين زكي خالد، مدير مكتب منظمة “اليونسكو” الإقليمي لدى الدوحة، عن سعادته بالمشاركة في هذه المناسبة، مشيدا بالدور الريادي الذي تضطلع به دولة قطر في تفعيل اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي.

وقال مدير مكتب اليونسكو بالدوحة: “يشرفني أن أكون معكم اليوم لنحتفل بالنسخة الثالثة لليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، والذي يأتي هذا العام في مرحلة تشهد فيها منطقة الخليج حراكا تنمويا وثقافيا، ما يبرز التراث الثقافي غير المادي كركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين متطلبات الحداثة وصون الهوية الوطنية”.

وأكد على تثمين المنظمة الدولية لجهود الدوحة والتزامها الراسخ بالاتفاقيات الدولية، مضيفا: “إننا نحيي ونقدر جهود دولة قطر وتأكيد التزامها الراسخ بالاتفاقية، والتي توجت بقيادتها للملف العربي المشترك لإدراج عنصر (البشت العربي) على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية بمنظمة اليونسكو، وهو إنجاز يجسد أهمية العمل الجماعي في إبراز عناصر موروثنا الثقافي المشترك”.

من جهتها، أكدت الأستاذة حمدة العبدالله، في كلمة ألقتها نيابة عن اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، أن التعليم يمثل الركيزة الأهم والمسار الأمن لضمان استدامة التراث وحفظه، متوجهة بالتهنئة لمكتب منظمة “اليونسكو” الإقليمي بالدوحة بمناسبة مرور 50 عاما على تأسيسه ومسيرته الحافلة بالشراكة المثمرة.

وأوضحت ممثلة اللجنة الوطنية قائلة: “تؤمن اللجنة الوطنية بأن ترسيخ الشغف بالموروث لدى الأجيال الناشئة، وإتاحة الفرصة لهم للتعلم المباشر من الحرفيين وحملة التراث، يعزز انتماءهم الوطني ويضمن استمرارية هذا الإرث الحضاري”.

وشددت على أهمية مواكبة التحولات التكنولوجية، مشيرة إلى أن برنامج الفعالية يفتح آفاقا واسعة لبحث فرص الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في توثيق التراث والتعريف به، مع التأكيد على ضرورة التوظيف الواعي للتكنولوجيا بما يخدم المجتمعات ويحمي حقوق الملكية الفكرية والأصالة. واختتمت بالقول: “إن ما ورثناه عن أجدادنا هو مصدر اعتزاز وفخر، وما ننقله لأبنائنا هو أمانة نؤديها بكل إخلاص”.

واختتمت الفعالية بندوة ثقافية فكرية موسعة أدارها الكاتب والإعلامي أستاذ صالح غريب، الذي أشار إلى أن الاحتفالية هذا العام تميزت بتوسيع نطاق الأنشطة والفعاليات التراثية لتسليط الضوء على جهود دولة قطر ووزارة الثقافة. وشهدت الندوة تقديم محاور رئيسية ناقشتها نخبة من الباحثين والمختصين.

وفي إطار البرنامج الفكري للفعالية، استعرض الباحث في التراث الأستاذ محمد سعيد البلوشي أبعاد اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي، مشيرا إلى مسيرة انضمام دولة قطر للاتفاقية ومصادقتها عليها عام 2008، وما تبعها من مساع حثيثة لتفعيل بنودها وتوثيق عناصر الهوية الوطنية على القوائم الدولية.

وسلط البلوشي الضوء على النجاحات التي حققتها الدولة في هذا المجال، مؤكدا أن قيادة قطر للملف العربي المشترك وإدراج عنصر “البشت العربي” على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية خلال اجتماعات منظمة اليونسكو بجمهورية الهند، يعد إنجازا بارزا ودليلا واضحا على سير الدولة بخطوات واثقة ورؤية مستدامة لحماية موروثها الحضاري ونقله بأمانة إلى الأجيال القادمة.

وقدمت الأستاذة شمة السليطي، باحث شؤون دولية باللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، ورقة عمل تناولت “دور اللجان الوطنية لليونسكو في توظيف الذكاء الاصطناعي لصون التراث الثقافي غير المادي”، معربة عن اعتزازها بالشراكة المؤسسية المثمرة بين اللجنة الوطنية ووزارة الثقافة ومكتب منظمة “اليونسكو” الإقليمي بالدوحة في الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي.

وأكدت السليطي أن هذه المشاركة المتميزة تجسد أهمية التعاون الوطني والدولي لصون التراث وحفظه واستدامته للأجيال القادمة، مشيرة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به اللجان الوطنية، وأهمية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في توثيق التراث الثقافي غير المادي والتعريف به على المستوى الدولي.

وشددت باحثة الشؤون الدولية على ضرورة تحقيق التوازن بين التطور التقني والأصالة، مضيفة: “إن استخدام هذه التقنيات المتقدمة يجب أن يرتبط بالتأكيد والتأكيد الصارم على المحافظة الكاملة على أصالة الموروث وعمقه وهويته الثقافية الوطنية”.

من جانبه قدم الباحث في التاريخ والتراث الدكتور علي عفيفي، ورقة عمل تناولت “تحديات رقمنة التراث الثقافي غير المادي”، سلط فيها الضوء على العقبات التقنية الناجمة عن التسارع الرقمي وتلاشي الوسائط الحديثة، محذرا من تداعيات العولمة ومفهوم “الحداثة السائلة” على صون الهويات الوطنية وتماسكها.

وأكد الدكتور علي عفيفي أن التكنولوجيا المتقدمة وتقنيات الواقع الافتراضي (VR) والتصوير ثلاثي الأبعاد تعد أدوات توثيق بالغة الأهمية لحفظ الموروث ورصد تحولاته، مستدركا أن الضمانة الحقيقية لاستدامة التراث وحمايته من الاندثار تكمن في “الممارسة الحية” والتطبيق اليومي لعناصره داخل المجتمع، كالاحتفاء بالعرضة القطرية، والأهازيج، والحرف التقليدية، ونقلها ممارسة وتداولا بين الأجيال.

بدورها، أشادت الدكتورة جودة منصور، أخصائية برامج الثقافة بمكتب منظمة “اليونسكو” الإقليمي لدول الخليج واليمن، بالتنظيم المتميز والالتزام الراسخ الذي تبديه دولة قطر في حماية الموروث، مؤكدة أن الاحتفاء بالنسخة الثالثة لليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي يجسد الحرص على صون التقاليد التي توارثتها الأجيال وإدماجها في الحياة المعاصرة.

وقالت الدكتورة جودة منصور: تأتي هذه الفعالية احتفاء بالمناسبة التي أقرتها منظمة “اليونسكو” في دورتها الـ 42 عام 2023، ليحتفي بها في 17 أكتوبر من كل عام، بهدف إبراز قيمة الموروث الشعبي وضرورة نقله بأمانة إلى الأجيال القادمة.

ونوهت أخصائية برامج الثقافة بجهود دولة قطر، مضيفة: أن حرص وزارة الثقافة، على تنظيم هذا الاحتفال السنوي يؤكد اهتمامها البالغ بصون التراث الحي، كما يتجلى دورها الريادي في قيادة العمل الجماعي المشترك لإدراج عنصر “البشت العربي” على القائمة التمثيلية لليونسكو، وهو ما يعزز أطر التعاون الثقافي الإقليمي والدولي.