استضاف المسرح الرئيسي ندوة حول الخط العربي، بوصفه فناً ارتبط بتاريخ الأمة ووجدانها الحضاري عبر العصور، وجاءت الندوة تحت عنوان “ندوة الخط العربي : ذاكرة الحبر وأخلاق القلم”، شارك فيها الكاتب والباحث في الخط إبراهيم يوسف الفخرو ويوسف شلار المدير التنفيذي لأكاديمية الخط العربي في قطر، ود. علي عفيفي الباحث في التاريخ والتراث.

وأعرب إبراهيم الفخرو في بداية حديثه عن شكره للحضور الكريم، كما توجه بالشكر إلى وزارة الثقافة ومعرض الدوحة الدولي للكتاب على إتاحة الفرصة لتنظيم هذه الندوة، وأوضح أن المحاضرة قُدمت سابقاً مع بعض الإضافات والتحديثات، لافتاً إلى أنها تركز بشكل أساسي على اهتمام دولة قطر بالخط العربي ضمن نطاق العمارة القطرية والمشاريع المختلفة.

وأكد أن الخط العربي واستخداماته في مجالات الحياة المختلفة لا يُعد مجرد عنصر تكميلي أو شكلي، بل يمثل عنصراً جمالياً أصيلاً في الحضارة الإسلامية، مضيفاً أن الخط العربي يشكل “أيقونة جمالية” تضيف قيمة وجمالاً لكل ما توضع عليه، سواء في الآنية أو العمارة أو المساجد أو المجالس.

وأشار إلى أن العمارة الإسلامية والقطرية على وجه الخصوص لطالما ارتبطت بحضور الخط العربي، باعتباره عنصراً جمالياً وثقافياً يزين المساجد والمباني والمجالس، ويعكس عمق الهوية الحضارية الإسلامية وجمالياتها الفنية.

وفي حديثه عن العمارة القطرية، أشار إلى أن دولة قطر أولت اهتماماً واضحاً بالخط العربي، ليس فقط في المشاريع الحديثة، وإنما أيضاً في العمارة التقليدية القديمة، حيث ظهرت الزخارف والخطوط العربية في المساجد القديمة والمجالس والأبواب والمحاريب، مؤكداً أن الخط العربي كان جزءاً من تفاصيل البناء والتصميم المعماري منذ القدم.

وأضاف أن عدداً من الأبواب القديمة في قطر ما زالت تحمل نماذج من الخط العربي الذي استخدم لتجميل المنشآت وإضفاء البعد الفني عليها، ما يعكس ارتباط المجتمع القطري بهذا الفن الأصيل.

وشدد على أن اهتمام دولة قطر بالخط العربي لم يعد مجرد شعارات أو فعاليات محدودة، موضحاً أن الدولة تجاوزت مرحلة المسابقات والأنشطة التقليدية، وانتقلت إلى مرحلة أعمق وأكثر تأثيراً، أصبح فيها الخط العربي جزءاً أساسياً في المشاريع المعمارية والهوية البصرية للعديد من المنشآت الحديثة.

وأشار إلى أن التجربة القطرية في هذا المجال اتسمت بالدخول المكثف والعميق في توظيف الخط العربي داخل العمارة، بحيث أصبح حاضراً بوصفه عنصراً رئيسياً في التصميم وليس مجرد إضافة جمالية ثانوية، الأمر الذي يعكس رؤية ثقافية وفنية تهدف إلى ترسيخ الهوية العربية والإسلامية في المشهد العمراني الحديث.

من حانبه أوضح د. علي عفيفي أن المحاضرة بطبيعتها ثرية ومتعددة المحاور، إلا أن ضيق الوقت يفرض استعراض الموضوعات بصورة سريعة ومختصرة، مشيراً إلى أنه سيتناول جانباً من تاريخ الخط والخطاطين في قطر، مع العودة أولاً إلى بدايات الكتابة وكيف تطورت حتى وصلت إلى الخط العربي المعروف اليوم.

وبيّن أن الإنسان عندما خلقه الله سبحانه وتعالى وأنزله إلى الأرض كان يمتلك المعرفة الأولى، مستشهداً بقوله تعالى إن الله “علّم آدم الأسماء كلها”، إلا أن الإنسان في بداياته لم يكن بحاجة إلى التدوين، نظراً لبساطة الحياة وقلة التوسع البشري.

وأضاف أنه مع انتشار الإنسان في الأرض واتساع نطاق حياته وتعاملاته، ظهرت الحاجة إلى التدوين لحفظ المعلومات ونقلها من مكان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، الأمر الذي دفع الإنسان إلى ابتكار وسائل أولية للكتابة والتوثيق.

وأشار إلى أن أقدم النقوش والكتابات تعود إلى ما قبل الكتابات الصورية، فيما يعرف بمرحلة النقوش الكهفية، لافتاً إلى وجود نماذج من هذه النقوش في قطر، ومنها نقوش الجساسية الشهيرة، التي تتكون من حفر صغيرة كان يعتقد أنها استخدمت في بدايات العمليات الحسابية والتجارية.

وأوضح أن الدافع الأول للتدوين كان مرتبطاً بالتجارة والحسابات وتنظيم تبادل السلع، ما دفع الإنسان إلى استخدام الحفر والرموز لعدّ الأشياء وتسجيلها.

وتطرق إلى تطور الكتابة عبر مراحل متعددة، موضحاً أن المرحلة التالية تمثلت في الكتابة الصورية، حيث بدأ الإنسان التعبير عن الأشياء من خلال رسمها بشكل مباشر، فرسم الإنسان للدلالة على الإنسان، والجمل للدلالة على الجمل، وغيرها من الرموز البسيطة.

وخلال مداخلته، تناول يوسف شلار اهتمام المؤسسات القطرية بالخط العربي، مستهلاً حديثه بالتأكيد على أن الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الجمال البصري، وهو ما يفسر انجذاب الناس إلى لوحات الخط العربي حتى وإن لم يفهموا معاني الكلمات المكتوبة فيها.

وأوضح أن الخط العربي يجمع بين الجمال البصري والجمال المعنوي في آن واحد، خاصة عندما تقترن اللوحات بآيات قرآنية أو حكم وأقوال مأثورة تحمل قيماً ومعاني إنسانية راقية، مشيراً إلى أن الخط العربي أصبح أحد أبرز المظاهر التي تعبر عن الثقافة والهوية العربية والإسلامية.

وأضاف أن الخطاطين عبر التاريخ أبدعوا في وصف جماليات الخط العربي شعراً ونثراً، كما أولوا عناية كبيرة بنقله وتعليمه والمحافظة عليه، لافتاً إلى أن الشغف بهذا الفن قد يصل لدى البعض إلى درجة العشق والهوس الفني، انطلاقاً من المقولة الشهيرة: “الفنون جنون”.

وأشار إلى أن كل من يخوض تجربة الكتابة بالقلم والحبر وفق قواعد الخط العربي الأصيلة يكتشف متعة خاصة لا يدركها إلا من مارس هذا الفن بنفسه، موضحاً أن الخط العربي لا يعد مجرد كتابة، بل هو حالة فنية وروحية متكاملة.

واستشهد بعدد من الأقوال المأثورة التي تصف مكانة الخط العربي، من بينها القول الشهير: “الخط العربي هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية”، موضحاً أن الحروف العربية تقوم في تكوينها على نسب جمالية دقيقة تشبه ما يعرف بالهندسة الذهبية، الأمر الذي يمنحها ذلك الجمال البصري اللافت.