ناقشت ندوة «الترجمة جسر بين الثقافات» ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، التحولات الفكرية والثقافية المرتبطة بحركة الترجمة، ودورها في نقل المعارف وبناء التواصل بين الشعوب، إلى جانب التحديات التي تواجه صناعة الترجمة والنشر في العالم العربي، سواء على المستوى اللغوي أو الاقتصادي أو المهني. وشارك في الندوة كل من: الكاتب والمترجم محمد آيات حنا، ودكتور علي المناع أستاذ اللسانيات والترجمة بجامعة حمد بن خليفة، وأحمد عبد الفتاح مدير الأبحاث والنشر، فيما أدارت الندوة الإعلامية والكاتبة آلاء كراجة. حيث اجتمع المترجمون والناشرون والمثقفون لمحاولة حل معضلة تناقل الأفكار بين اللغات.

من جانبه قال محمد آيات حنا، الكاتب والمترجم، أن اللغة العربية تمتلك ثراءً كبيرًا على مستوى المفردات، إلا أن هذا الثراء لا ينعكس دائمًا في الاستخدام والتداول اليومي، مشيرًا إلى أن هذه الإشكالية تظهر بوضوح أثناء الترجمة من ثقافة إلى أخرى، حيث لا تتعلق العملية بنقل الكلمات فقط، بل بنقل الحمولة الثقافية والمعرفية المرتبطة بها.

وحول اختيار موضوعات الترجمات أشار إلى أن اختيار الكتب المترجمة يتم عبر حالة من التفاهم والشراكة بين المترجم والناشر، موضحًا أن المترجم قد يختار أحيانًا كتابًا يحبه ويرغب في نقله إلى العربية، لكن الناشر قد يرى أن فرص نجاحه التجاري محدودة، وبيّن أن نجاح تجربة الترجمة يرتبط بوجود أرضية مشتركة بين الطرفين تقوم على الاقتناع المتبادل بالكتاب المختار، مؤكدًا أن العلاقة بين المترجم والناشر تظل عنصرًا حاسمًا في وصول الأعمال المترجمة إلى القارئ العربي بصورة جيدة ومتوازنة، لأن الترجمة في النهاية هي مشروع ثقافي يحتاج إلى انسجام فكري ورؤية مشتركة بين جميع الأطراف المشاركة فيه.

ومن جانبه أكد الدكتور علي المناع، أستاذ اللسانيات والترجمة بجامعة حمد بن خليفة، أن عملية الترجمة لا تقتصر على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل تقوم أساسًا على نقل الصور الذهنية التي تتشكل في مخيلة القارئ أو المترجم أثناء تفاعله مع النص، مشيرًا إلى أن المترجم يسعى إلى إيجاد صور مقاربة في اللغة والثقافة الهدف.

وأوضح أن الإنسان عندما يسمع كلمة أو جملة أو يقرأ نصًا، تتكون لديه صور ذهنية تتحكم في فهمه وتأويله للنص، وأشار إلى أن الأنظمة التصويرية تتشكل داخل مخيلة القارئ والمتلقي والمترجم معًا، وهو ما يجعل المترجم مطالبًا ببذل جهد كبير للعثور على مقابل مناسب لهذه الصور داخل اللغة الهدف.

وأكد أن المترجم عندما يعيد إنتاج الصور داخل لغة أخرى فإنه قد يبتعد بدرجات متفاوتة عن النص الأصلي، سواء بشكل بسيط أو كبير، تبعًا لطبيعة الصور التي تشكلت لديه أثناء القراءة والتأويل.

فيما قال أحمد عبد الفتاح، مدير دار مدارات للأبحاث والنشر، أن حركة الترجمة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة في العالم العربي، مشيرًا إلى أن صناعة الترجمة ما تزال محدودة وضعيفة من الناحية التجارية مقارنة بحجم الإنتاج الثقافي العالمي، وهو ما ينعكس على انتشار الكتب المترجمة وحضورها داخل الأسواق والمكتبات.

وأوضح أن سوق الترجمة يعاني من مشكلات تتعلق بالتوزيع وضعف الإقبال التجاري، إلى جانب محدودية انتشار المكتبات في بعض الدول العربية، الأمر الذي يضعف وصول الإصدارات المترجمة إلى القراء. ولفت إلى أن جزءًا من أزمة الترجمة يرتبط بضعف البنية الاقتصادية للصناعة الثقافية عمومًا، مؤكدًا أن النشر والترجمة يحتاجان إلى دعم أكبر، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الترجمة في حد ذاتها لا تواجه دائمًا تحديات معقدة، خصوصًا عندما يكون المترجم محترفًا ومدركًا لطبيعة النص الذي يعمل عليه.

وبيّن أن التحديات الحقيقية تظهر غالبًا في النصوص الحساسة أو شديدة الخصوصية، والتي تتطلب تعاملًا دقيقًا مع المفاهيم والمعاني، مشيرًا إلى أن نجاح الترجمة يعتمد على التفاهم بين جميع الأطراف، إلى جانب فهم طبيعة النص.