في إطار فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب، قدّمت الكاتبة السيدة مريم ياسين الحمادي جلسةً فكريةً بعنوان “بناء المعرفة من خلال الثقافة والإعلام”، استقطبت نخبةً من المهتمين بقضايا الثقافة والإعلام الرقمي. تناولت الجلسة أحد أخطر التحولات في عصرنا: كيف انتقل الإنسان من مستهلكٍ للمعرفة إلى سلعةٍ تستهلكها الخوارزميات. انطلقت الحمادي من سؤالٍ محوري: كيف أصبح المواطن الرقمي سلعةً في سوقٍ لم يختَرها؟ وأكدت أن التحولات العالمية في مرحلة ما بعد العولمة، وصعود الاقتصاد الرقمي، وثورة الذكاء الاصطناعي، أعادت رسم خريطة من يملك السرديات. وحذّرت الحمادي من خطر الخوارزميات التي باتت تتحكم في التدفق المعرفي اليومي، مشيرةً إلى أن “الخوارزمية لا تكذب، لكنها تختار، وفي هذا الاختيار يكمن كل الخطر.”

وأضافت أن العالم فوّض التكنولوجيا وشركاتها لتتولى سيادة الإعلام، مؤكدةً أن ذلك يُلقي بمسؤوليةٍ كبرى على عاتق المجتمعات في بناء الوعي بجميع فئاته.

كما استشرفت الحمادي مستقبل المعرفة في ظل الذكاء الاصطناعي، موضّحةً أن النماذج الحالية تبني المعرفة على أساس الماضي وليس المستقبل، وأنها تحمل في طياتها تحيّزات من أنتجها، مما يجعل المحتوى العربي في وضعٍ هشٍّ أمام هيمنة المحتوى الغربي في بيانات التدريب. وتطرّقت إلى مفاهيم جوهرية ترتبط ببناء المعرفة، من أبرزها: الذكاء الاصطناعي التوليدي، ونماذج التدريب على البيانات الضخمة ودورها في تشكيل المعرفة وتوجيهها.

وأشارت الحمادي إلى أهمية إطلاق مشاريع ثقافية وتراثية وتعليمية ضخمة يُدرَّب عليها الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها مشروع الذاكرة الرقمية العربية والإسلامية، القائم على بناء قاعدة بيانات ضخمة تجمع المحتوى العربي الأصيل وتُدرَّب عليها نماذج ذكاء اصطناعي محلية، بما يضمن ألا تكون الإجابات التي يتلقاها المواطن العربي مبنيةً على بياناتٍ غربية خالصة، مع إتاحة هذا المحتوى على المستوى العالمي.

ودعت إلى إنشاء مجالس وطنية متخصصة تضم هيئاتٍ استشاريةً عليا من خبراء الإعلام والثقافة والذكاء الاصطناعي والأمن الوطني، تُعنى برصد التدفق المعرفي وتحديد الفجوات قبل أن تتحول إلى تهديداتٍ حقيقية.

كما دعت الحمادي إلى إقامة مشروع المواطن الناقد على جميع المستويات: الطلبة والمدارس والمجتمع بأسره، بهدف تعليم مهارة التشكيك في مخرجات الذكاء الاصطناعي وتوليد معرفةٍ سليمة، لا مجرد استهلاك المعلومة الجاهزة. “اليوم نحن لا نبني مشاريع ثقافية، نـحن نبني بنيةً تحتيةً للسيادة الإعلامية.”