معالجة لمشكلات النفس الإنسانية تضمنها العرضُ المسرحي «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، الذي سعى من خلاله مؤلفه لويجي بريندلو لإثبات أنَّ الفنَ قادرٌ على إحداث التغيير في المصاير، وأنه الأكثر حضورًا وديمومة من الحياة الحقيقيّة نفسها، والمسرحية تناقشُ الازدواجية التي تنتجها العادات المجتمعية، وذلك في إطار دراما نفسية شهدها مسرح الدراما بـ «كتارا» ضمن فعاليات مسابقة «شبابنا على المسرح» المقامة ضمن مهرجان الدوحة المسرحي. والمسرحية بطولة إبراهيم مبروك وعبد الرحمن المنصوري، وعيسى الخزاعي، وكلثم المناعي، وعلي حسين، ولولوة النصر، وراشد العبد الرحمن، وجمعة الأحمد، وأمل بو شهري، وإخراج إبراهيم لاري. حاولَ العرضُ المسرحي الذي قدمه شباب كلية المجتمع أن يتحلى بالثورة الشكلية التي أرادها بريندلو من خلال نصه، إلا أن مخرج العرض قد قام بوضع لمسات أعطت العمل طبيعة خاصة ومغايرة لما ورد في النص الأصلي، بحيث تتلاءم المسرحية وطبيعة المُجتمع القطري. والمسرحية تحكي قصة فريق مسرحي يعكفُ على إنتاج إبداع جديد، إلى أن تقتحم خلوتهم مجموعة من الشخصيات المسرحية الباحثة عن مؤلف، ليقوموا باقتراح مجموعة من الأعمال ليتمثلوا بها، وهنا يتم اقتراح تقديم أعمال من المسرح القطري كمسرحيات: بو درياه، وهلو جلف، وادي المجادير، وغير ذلك من أعمال يمكنُ أن تمكنهم من إثبات ذاتهم وتخليد إبداعهم. قد تبدو المسرحية بلا قصة منسوجة الأحداث، فالأمر لا يتعدى كونه مشاهد ابتكرها مخرجُ العمل عوضًا عن المشاهد التي تم حذفُها من المسرحية الأصلية، لكنها مع ذلك تحملُ العديد من الأبعاد التي تتماس وواقعنا الخالي عبر مجموعة من الإسقاطات التي تمثلُ إشكاليات المجتمع خاصة فئة الشباب.

ويمكننا القول: إنَّ لاري اعتمد على روح النص وليس على الأسلوب الذي كتب به بريندلو مسرحيته، حيث راح يؤكدُ على حالة الاغتراب التي قصدها المؤلف الأصلي من خلال النص بأساليب أخرى تمثلت في التعبير الحركي والتعامل مع الفراغ المسرحي من خلال جسد الممثل والتشكيلات الموحية بالمضمون دون التركيز على مفردات النص الأصلي، ما جعله أقرب لنص مؤلف يمكن أن يقال عنه إنه مأخوذ عن «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» وليست مجرد معالجة له، حتى إنه أدخل فن النهمة على هذا الشكل المسرحي، فمن يعرف النص فسيتعرض بلا أدنى شك إلى الكثير من الإرباك، لأنه لن يستطيعَ الربط بينهما إلا من خلال فكرة الاغتراب الذي اعتمد عليه النصان والتمسرح الذي تم التعبير عنه في بحث الشخصيات عن مؤلف ليصوغ أفكارًا تعبر عن كل واحد منهم على حدة، كما أن الأمر في نص لاري اعتمد على طرح العديد من القضايا التي رأى أنها أهم لمناقشتها.

أما عن الديكور فقد اشتملَ على مجموعة من المكعبات التي أراد لها المخرجُ أن تهيمنَ على سينوغرافيا العرض بشكل مباشر، فالمسرح ازدحم بالكتل التركيبية التي تعبرُ عن الثيمة المكانية للعمل، وتعبرُ عن ازدحام الأفكار في عقل أفراده، وتخرج من وسط هذه المكعبات شخصيات تتحاور في شؤونها الخاصة، ورغم تغير المشاهد والنصوص التي يقدمونها تظل كما هي باستثناء بعض من قطع الديكور القليلة سهلة الحركة التي تساعدهم في التعبير، فالعرض كطبيعة النص يعتمدُ على التجريد ليؤكدَ أننا أمام دراما نفسية كلها تحدث داخل عقول شخوص المسرحية ولكننا نراها فقط متمثلة لنشاهد عن قرب ما يعتملُ داخل عقولهم، كما لجأ المخرج إلى تجسيد الأفكار ممسرحة من خلال تفتيت الشخصيات مع تعدد الأعمال الدرامية القطرية المقدمة، ما ساعد على تأكيد التجريد المتعمد في النص ذاته. وبشكل عام فقد استطاع أداء الممثلين التعبير عن قدرتهم مستعينين في ذلك برشاقة الأداء ومحاولة التجويد في الصورة المسرحية، ولا يفوتنا أن نذكرَ براعة الإضاءة التي ساعدت بشكل كبير في توصيل الرسالة المراد قولها في المسرحية على نفس الخط الذي يسير عليه السياق الدرامي وما يقصده العرض الآن أن أبرز ما يعيبها كثرة الدخان الذي أتلف الرؤية البصرية.

في الأخير، قد وجب ذكر أن كتابات بريندلو تتميزُ دائمًا بكونها لا تعتمد على البناء الميكانيكي المعتاد، وبذلك يبدو لمن تعودوا على الدراما التي تتسمُ بالبداية التقليدية، والأحداث المعقدة مع خاتمة مرضية أن تلك النوعية من الدراما ليس بها قصة، إلا أن نهجها دائمًا يتجهُ نـحو الصدق والبساطة من خلال رؤية الأشياء الإنسانية البسيطة العامة بما فيها من بهجة وحزن بأسلوب السهل الممتنع. حيث تبتعدُ عن القواعد المألوفة من تفصيلات لا ضرورة لها، فضلًا عن اتسامها بغموض وإثارة في البداية والنهاية، حيث حرارة الحياة في الشخصيات.