ضمن فعاليات النسخة الثالثة من موسم الندوات لوزارة الثقافة أقيمت اليوم ندوة بعنوان (العرب والغرب ما بعد حرب غزة)، بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مقره.

حضر الندوة سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، والدكتور عزمي بشارة مدير المركز العربي الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وجمع من الأكاديميين والمثقفين.

وشارك في الندوة كل من د. عبد الوهاب الأفندي رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا، والدكتور محمد المسفر أستاذ العلوم السياسية، والدكتور باسم الطويسي رئيس برنامج دراسات الإعلام في معهد الدوحة للدراسات، والدكتورة عائشة البصري الباحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والدبلوماسية السابقة في منظمة الأمم المتحدة.

وتحدث في بداية الندوة الدكتور عبد الوهاب الأفندي عن أزمة الحرب على غزة وأسبابها التي أرجعها إلى عدم وجود كتلة عربية موحدة تقف أمام حرب الإبادة التي تمارسها سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وغياب الصوت العربي الموحد، وكذلك وجود فجوة بين السلطة الفلسطينية والمقاومة في غزة، إلى جانب دعم غربي مستمر لإسرائيل في هذه الحرب.

وأضاف د. الأفندي في ورقته قائلًا “لا يجب الاكتفاء بنقد الغرب لأنه لن يعود علينا بالنفع خاصة أن الغرب كشف عن نفسه وعن مبادئه وتعاطيه مع القضايا العربية أو الإسلامية”، مؤكدًا أنه يجب التركيز على تغيير الوضع العربي الراهن ليكون قادرًا على الصمود والمواجهة.

ومن جهته قال الدكتور محمد المسفر في مداخلته إن القضية الفلسطينية بعد مرور خمسة شهور على الحرب على غزة، أصبحت لها مكانة على الساحة الدولية لا سابقة لها في تاريخ هذه القضية منذ 1948، موضحًا أنها أضحت قضية العالم بامتياز وغطت على كل الأزمات والحروب الدائرة في العالم بدءًا بصراع أمريكا والصين في المياه الآسيوية، ثم الحرب في أوكرانيا، والصراعات المختلفة في العالم، وأرجع فضل ذلك إلى المقاومة الباسلة في غزة الصابرة على كل الجراح والآلام.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن العنف الكبير الذي يتصرف به جيش الاحتلال الإسرائيلي هو تصرف ثأري وانتقامي بكل ما تحمله الكلمة من معاني الحقد والكراهية، معتبرًا أن ذلك جاء نتيجة للصدمة التي أصيب بها الكيان الصهيوني برمته بعد أحداث السابع من أكتوبر، مؤكدًا أن صمود المقاومة الفلسطينية في غزة فاجأ الكل بشجاعة المحارب الفلسطيني أمام قوة تفوقه عددًا وعدة ومدعومة من عدة دول.

وتطرق د المسفر إلى التعاطف الذي حازت عليه إسرائيل عقب عملية طوفان الأقصى والأكاذيب التي روجت لها، مؤكدًا أن الوضع اختلف بعد ذلك حيث تغير الخطاب السياسي لكثير من قادة أوربا والولايات المتحدة الأمريكية لصالح القضية الفلسطينية والدعوة لإنهاء الحرب في غزة ورفع الحصار عنها.

ونوه الدكتور محمد المسفر، خلال مشاركته في الندوة، إلى موقف قطر ودعمها المتواصل للقضية الفلسطينية.

وفي مداخلته التي جاءت تحت عنوان “الغرب والعرب بعد حرب غزة 2023-2024: العلاقات من منظور ثقافي” قال الدكتور باسم الطويسي “لا نملك اليوم وصفًا دقيقًا للآثار التي ستتركها الحرب الإسرائيلية على غزة 2023-2024 التي انقضى عليها خمسة أشهر مع بداية شهر مارس 2024″، مشيرًا إلى أن الآثار الظاهرة لا تشكل سوى رأس جبل الجليد، وأن ثمة أثارا أعمق ستأتي في القريب والبعيد، فهذه الحرب لا تشبه الحروب التي شهدها الشرق الأوسط في القرن العشرين والربع الأول من هذا القرن، لأنها حرب جمعت العديد من التناقضات والمفاجآت والصدمات، وهكذا تبدو آثارها سياسيًا واستراتيجيًا وثقافيًا.

كما تناول بالتفصيل الاستهداف الممنهج من جانب الاحتلال الإسرائيلي للثقافة في غزة وتعمد تدمير كافة الممتلكات الثقافية من مواقع تراثية ومكتبات ومتاحف ومؤسسات تعليمية عن عمد، فقد دمر الاحتلال 9 مواقع أثرية، و195 مبنى تاريخي، و12 متحفًا، و24 مركزًا ثقافيًا، إلى جانب الكليات الجامعية في غزة التي تعرضت لتدمير كلي أو جزئي، بل واستهداف المثقفين والأكاديميين بالقتل، مما يظهر أنها حرب إبادة للثقافة الفلسطينية، كما أنها حرب إبادة للشعب.

وتناول الدكتور باسم الطويسي بالنقد الآلة الإعلامية والدعائية بإبعادها الإسرائيلية والغربية حيث عمدت معظم الدول الغربية إلى تسخير قواها الصلبة والناعمة في دعم رواية إسرائيل المضللة، مؤكدًا أن هناك نخبًا سياسية وثقافية وأكاديمية غربية اعترفت في الوقت ذاته بحقيقة أن الحرب الإسرائيلية على غزة تهدد فعليًا القوة الأخلاقية والمعيارية للغرب، وما زال النقاش مستمر على الثمن الذي يدفعه الغرب جراء مناصرته للإبادة الجماعية لأهالي غزة.

واختتم حديثه قائلًا “هناك صدع يلوح في الأفق بين الغرب والعالم العربي والإسلامي حتى في الوقت الذي توجه فيه الشعوب الغربية غضبها نـحو زعمائها”، مشيرًا إلى أن الخطاب المهيمن والداعي للانتصار للإنسانية والمليء بالغضب والذي انتزع مكانه في وسائل الأعلام الرقمية ينطلق من جميع الجوانب ويتردد صداه في شوارع المدن والجامعات مدعومًا بقوة هائلة من الشباب، مما يشير بقوة إلى تغيير قادم.

ومن جهتها قدمت الدكتورة عائشة البصري مداخلة تحت عنوان “غزة في زمن الوحوش” قالت فيها إن الحديث عن الإبادة في غزة اليوم يقودنا إلى الحديث عن طبيعة النظام الدولي والهيمنة الغربية منذ ما يناهز خمسة قرون، ليس فقط في قوة السلاح وإنما بفعل الثورات فكرية وعلمية وصناعية وأيديولوجيات متجددة.

وأضافت أن الحرب على غزة أظهرت أن العالم يفتقد إلى نظام دولي قائم على القانون، مشيرة إلى أن الركيزة المعيارية التي سعى النظام العالمي لإرسائها في أعقاب الحرب العالمية الثانية من مبادئ مثل سيادة الدول، التسوية السلمية للنزاعات سيادة القانون، ومسؤولية الحماية وحق تقرير المصير فكل هذه المنظومة منهارة حاليًا، وهو ما يتضح من انتهاك إسرائيل كل الأعراف والقيم والمواثيق الدولية ودعم الحكومات الغربية لها في حربها على غزة، وكل هذا يعمق ما أسماه الفيلسوف الفرنسي إيمانويل تود بالعزلة الأيديولوجية للغرب.

وأكدت أنه على الرغم من قتامة صورة المشهد العالمي فإن هناك مؤشرات تدل على أنه مازال هناك أمل تجسده الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، ووقوف ما يزيد على 40 دولة أمام محكمة العدل الدولية مطالبة بوقف الاحتلال الإسرائيلي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو أمل يدعمه زخم التضامن مع صمود الفلسطينيين في وجه الاحتلال.

جدير بالذكر أن موسم الندوات يتضمن هذا العام برنامجًا يتنوع ما بين الندوات والأمسيات الشعرية والمحاضرات، وهو ما يثري الحوار بين المفكرين والمثقفين حول أبرز القضايا الثقافية والمجتمعية الراهنة، حيث يجسد موسم الندوات رؤية وزارة الثقافة الهادفة إلى تعزيز الهوية الثقافية والفكرية لأبناء الوطن، ودعم المشهد الثقافي المحلي، من خلال مد جسور التواصل بين المثقفين والمفكرين، وما ينتج عن هذا التواصل المثمر من أطروحات وأفكار ومبادرات قيمة تسهم في دعم مسيرة التنمية، وإيجاد حلول لقضايا المجتمع.

وتقام غدًا الجمعة ضمن موسم الندوات جلسة حوارية قطرية عامة يشارك فيها ثلة من المثقفين والمفكرين والمبدعين، لمناقشة موضوع “المتغيرات الثقافية في المجتمع القطري”.