يواصل الملتقى القطري للمؤلفين قراءته النقدية في المنجز الروائي القطري من خلال مبادرة ” إقراني فإني هذا الكتاب” التي يقدمها الدكتور عبد الحق بلعابد أستاذ النقد الحديث بجامعة قطر، والتي تندرج في إطار مشروع تعزيز النقد.
وفي هذا الإطار استضاف الملتقى المترجم والناقد والباحث الأكاديمي المغربي الدكتور حسن المودن في محاضرة وجلسة نقدية بعنوان” الرواية القطرية: من الرواية العائلية إلى محكي الانتساب الأدبي” وهي قراءة نقدية في ثلاث روايات قطرية من منظور التحليل النفسي: رواية “في انتظار الصافرة” للكاتبة شعاع خليفة ورواية “زبد الطين” للكاتب جمال فايز ورواية “ماء الورد” للكاتبة نورة فرج.
وكشف الدكتور المودن في بداية محاضرته، عن بعض الخصائص والمميزات في الرواية القطرية، وتحولاتها وتطوراتها من خلال حديثه عن محكيين بارزين في الرواية القطرية منذ تأسيسها إلى اليوم: محكي الرواية العائلية ومحكي الانتساب العائلي / الأدبي. حيث تحدث عن الرواية العائلية التي تعكس المجتمع القطري في العصر الراهن، متسائلا عن خصائصها ومميزاتها( محكيات اليتامى، دور عنصر الغريب الدخيل، تراجع وارتداد في بناء رواية عائلية بديلة..)؛ كما تحدث عن هذا التحول إلى محكي الانتساب الأدبي الذي يترجم هذه الإرادة في منح التخييل مساحة أكبر في السرد والكتابة، والذي لا يقول الرواية العائلية على طريقة بلزاك ونجيب محفوظ، بل وعلى طريقة سرفانتس وبورخيس وأمبرطو إكو وألف ليلة وليلة( توظيف الفانطاستيك وشعرية الأحلام، والاشتغال بموضوعات: الغرابة المقلقة، المتاهة، البحث عن الكنز، مخطوطات عتيقة وغريبة وعجيبة، القصيدة الملعونة القاتلة..).. وهو في الوقت نفسه هذا المحكي الذي يريد أن يقول انتسابه لا إلى العائلة بالمعنى البيولوجي والاجتماعي فحسب، بل والانتساب إلى سلالة ثقافية وأدبية، وإعلان الانتساب إلى تراث أدبي وثقافي (الأصفهاني صاحب الأغاني، مجنون ليلى وحكاياته، العشاق المجانين، بشار بن برد، الحكماء والشعراء، الوراقون والنساخون، الحجاج بن يوسف الثقفي..)
ومن هذا المنطلق قارب المودن لرواية ” في انتظار الصافرة”، انطلاقا من أسئلة جوهرية: هل استطاعت الذات بناء رواية عائلية بديلة؟ لماذا تتراجع الذات عن بناء رواية عائلية بديلة عن تلك التي بناها الآباء؟ أيعبِّر هذا عن عجز الذات عن الانتماء إلى مجتمع الحداثة؟ لماذا هذا التردد بين عالم جديد بديل وعالم أصيل وأصلي؟ لماذا تنتظر الذاتُ الصافرةَ كي تتخلص من العالم الحداثي الجديد لتعود إلى عالم البداوة من جديد؟
وفي دراسته لرواية “زبد الطين”، انطلق الباحث المغربي من علاقة: الرواية العائلية وسؤال الغيرية؛ وهي على عكس الرواية السابقة؛ هناك طموح وإصرار على أن تبني الذات رواية عائلية بديلة عن تلك التي بناها الآباء، وهناك اقتناع بضرورة الانفتاح على الآخر من أجل بناء شيء جديد، فالذات لن تتمكن من الانتماء إلى العالم الحداثي الجديد إلا بالانفتاح على الآخر الغربي، على أساس التعاون والتفاهم والاحترام المتبادل، وعلى أساس التخلص من زبد الطين الذي يتمثل في تلك العناصر المتطرفة في عالم الذات كما في عالم الآخر. وإذا كان سؤال الغيرية سؤالا مهما جدا، فإن ذلك لا يمنع من السؤال: ماذا عن هذه الدعوة إلى الانفتاح على الآخر (وفي هذه الرواية: هناك الآخر الذي يمثله من وقت إلى الغرب؛ كما هناك الآخر الذي ينتمي إلى مذهب ديني) التي تتخذ طابعا حالِماً ورومانسيا ولا تستحضر تعقيدات الواقع؟ ألا تفرض الرواية نوعا من النقد المزدوج (بتعبير الناقد عبد الكبير الخطيبي) الذي لابد من ممارسته تجاه الذات وخاصة في علاقتها بالآخر؟ إذا كان صحيحا أن لا وجود الذات إلا في علاقة بآخرها، فإن دور الرواية هو النفاذ إلى تلك العلاقات المعقدة بين الاثنين بدل الاكتفاء بالشعارات ذات الطابع الخطابي؟
أما في رواية “ماء الورد” فركز الناقد حسن المودن على هذا التحول: من الرواية العائلية إلى محكي الانتساب الأدبي؛ لأن الرواية في قطر لم تعد تنطلق من الواقع المعيش أو المتخيل، بل صارت تعود إلى التاريخ العربي الإسلامي وتُدخله إلى مطبخ التخييل من أجل أن تستخرج منه حكاية عائلية هي بين الحقيقة والخيال، بين التاريخ والتخييل. والصراع في محكي الانتساب العائلي لم يعد بين الأبناء والآباء، بل بين أحفادٍ يواصلون صراعا كان قد خاضه أجدادهم في زمن مضى( يوسف / ابن المغيرة)..والانتساب لم يعد متعلقا بالآباء، بل بالأجداد( ليلى تعيش مع جدها من دون أبوين ..)…هذا عن الانتساب العائلي بحصر المعنى، لكن هذه الرواية تتميز بما نسميه محكي الانتساب الأدبي، ليس لأن الحكاية تتحدث عن عائلة أدبية ( ليلى نساخة تساعد جدها الذي يكتب و يؤلف، وهو المؤلف الأصلي لكتاب الأغاني حسب الرواية!)، ولا لأن الحكاية تتحدث عن الوراقين والنساخين والمؤلفين والعلماء الذين يشكلون في مجموعهم عائلة واحدة في صراع مع شخصيات أخرى تنتمي إلى عائلة السلطة والحكم، الأكثر من ذلك أن في الرواية علامات متنوعة تعلن من خلالها انتسابها إلى التراث الأدبي العربي( الشعر العربي؛ ألف ليلة وليلة..) أو إلى التراث الأدبي الإنساني (الأدب الرومانسي، الأدب السوريالي، أدب الفانطاستيك، رواية تيار الوعي، الرواية المعاصرة..)
وخلص الباحث الأكاديمي حسن المودن إلى أن الرواية القطرية، بإنتاجها الذي يزداد يوما بعد يوم، تخطو خطوات نوعية ومتميزة، وأن بعض العثرات في الإنتاجات الأولى (على مستوى اللغة العربية؛ على مستوى البناء الروائي…) لم تعد بذلك الحضور المزعج…وأن هذا التراكم اليوم يسمح بالحديث عن محكيات نوعية تستحق الدرس والبحث (محكي الرواية العائلية/ محكي الانتساب العائلي/ الأدبي).