التقت الدكتور أحمد الجنابي، في حوار حول مبادرة «لسانياتكم» وأهدافها، وحال الإعلام العربي مع اللغة. وإلى نص الحوار:
ننطلق من نقطة اسم المبادرة، فكأن اللسانيات من حصة البحث اللغوي الحديث، فما علاقة هذه اللفظة بالتراث؟
كلمة اللسان وجمعها الألسن وردت في القرآن الكريم، وقد نص على كلمة «اللسانيات» ابن سيده الأندلسي في أحد معجميه، فهي كلمة عربية تراثية أصيلة سبق تناولها في الدرس اللغوي الحديث على مستوى اللغات كلها.
فاللسانيات لسانياتنا ولسانياتكم، أردنا بها في هذه المبادرة أن نذكر المشاهدين والمستمعين والقراء والمتلقين عمومًا بلسانهم العربي، وكيف أنه صالح لزماننا ومكاننا وعصرنا، بمعنى اللغة والحياة، وأن العربية تصلح لأن تكون لسان هذا العصر ولغة هذا الزمان.
مضامين الحلقات
استمعنا واستمتعنا بالحلقات التي بثت لحد الآن، فهلا عرّفتم القراء بمضامين الحلقات السابقة واللاحقة؟
– بما أن المبادرة ضمن الملتقى القطري للمؤلفين فقد اعتمدنا على الكتاب والكتب من خلال قراءة لكلمة اللسانيات في معاجمنا العربية القديمة، وكذلك قراءة لمواد اللغة العربية وبنودها في الدساتير المعاصرة، وخاصة قوانين اللغة العربية، وأخيرها وليس آخرها قانون حماية اللغة العربية في دولة قطر، ومن ثم تناولت المبادرة اللغة العربية في الكتاب المدرسي والمقرر الجامعي، وكذلك اللغة العربية والصحافة والإعلام، وأيضًا اللغة العربية والمجامع اللغوية.
بالفعل موضوعات عصرية ومهمة جدًا، كيف كان تقييمكم للواقع اللغوي للعربية بصورة عامة، وفي دولة قطر على وجه الخصوص؟

لا يخفى عليكم ارتباط العربية بالقرآن الكريم، هذا النص اللغوي المحفوظ في السطور والصدور، وهذا وجه من أوجه الاستمرارية والخلود، ومبادرة «لسانياتكم» لديها ملاحظات لغوية على الواقع العربي بصورة عامة، ولكن في دولة قطر شهدنا قانونًا للغة العربية، ومشاريع لغوية كبيرة متوسطة وصغيرة تخدم اللغة العربية، مع إلزامية تدريس «العربية» في المدارس الخاصة، وعناية باللغة على مستوى الوزارات والمؤسسات، ولكن الأمل معلق على إنشاء مجمع للغة العربية في الدوحة يكون على غير المألوف في المجامع اللغوية في العواصم والمدن العربية، وقطر أهل لها، وكذلك الأمل أن تشهد جامعة قطر افتتاح قسم للبنين في اللغة العربية مع برنامج للدكتوراه، وإن كنا خارج الجامعة لكن هذا فيه خدمة أكاديمية أولية وعليا للغة العربية على مستوى دولة قطر.
اللغة والإعلام
دكتور دعنا نخصص حديثًا عن اللغة والإعلام بحكم عملنا وتخصصنا، فما وجه اهتمام مبادرتكم «لسانياتكم» بهذا الموضوع؟
– الإعلام هو وجه من وجوه اللغة المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية، وهو لا ينفك عن اللغة، أي لغة، واللغة العربية لسان الإعلام العربي، ومن هنا فإن من يتحدث بلغة، أي لغة، أن يتقيد بقواعدها، ويحترم نحوها وإملاءها وكل مستوياتها اللغوية، فالإعلام العربي اليوم مليء بالأخطاء اللغوية، وهناك انفصال بين اللغة والإعلام على مستوى التخصص والاهتمام، فالإعلامي غير لغوي، واللغوي غير إعلامي إلا ما ندر.
ومن حسن مبادرتنا «لسانياتكم» أن معنا الأستاذ الدكتور عبدالله المرزوقي وهو إعلامي ولغوي في الوقت نفسه، وهذا من النوادر كما قلت، فالفصل التام بين التخصصات من سيئات العصر، فاللغة وعاء الفكر والتفكير، والعلم والتعليم، وهي لغة الإعلام والإعلاميين فيحسن على الإعلامي أن يكون مستواه اللغوي على قدر يؤهله من نطق مخارج الحروف بصورة صحيحة، وأن يكتب كتابة سليمة، وأن يتحدث دون أخطاء نحوية، وأن يكون أسلوبه بليغًا، وكذلك اللغوي عليه أن يتعلم مهارات الاتصال والتواصل، وأن يبدع في تحبيب العربية للنشء والجيل والمجتمع، ولا يحصر العربية في الأمثلة القديمة التي لا تستعمل اليوم، وأن ييسر اللغة ويسهلها على الناس.

وعودة على الإعلام والإعلاميين فإن المؤسسات الإعلامية تشهد وظائف مدققين لغويين، وهم يشكون حال اللغة في الإعلام، هذا في الإعلام الذي يحرص على أن تكون لغته فصيحة أو صحيحة أو سليمة أو بيضاء على الأقل، أما الإعلام اللهجي بحسب العاميات فهذا خارج نطاق قواعد اللغة العربية، وهو إعلام عربي وليس عربيًا.
العيادة اللغوية
تابعنا من قبل مبادراتكم اللغوية في الملتقى القطري للمؤلفين مثل «العيادة اللغوية» و»مرقاة قطر للخطابة»، فما الأثر الذي تركته؟ وماذا تتوقعون من «لسانياتكم»؟
– الأفكار كثيرة، لكن لما تجد جهة تدعم فكرتك فهذا بحد ذاته أثر محسوس، فالملتقى القطري للمؤلفين احتضن هذه المبادرات التي ذكرتها، وغيرها لي ولغيري، وهو مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الثقافة في الدولة، بمعنى أن هناك توجهًا لغويًا واهتمامًا باللغة العربية من قبل الدولة ومؤسساتها، فكانت «العيادة اللغوية» في الأزمة الصحية تكافح الأخطاء اللغوية المنتشرة في الأزمة، مثل كمامة بكسر الكاف، وعقّار بالتشديد، وتجوال بفتح التاء وليس تجولًا، وحظر بالظاء وليس بالضاد، وهكذا، ومن آثارها أن الحلقات جمعت في كتاب وهو قيد النشر لدى مؤسسة البصائر للدراسات والنشر.
وأما «مرقاة قطر للخطابة» فهي لون لغوي لأنواع خطابية عامة كالخطب الارتجالية والمحفوظة والمقروءة والنقدية، وفق معايير تراثية لكن بأسلوب عصري، فقدم الخطباء مثلًا خطبًا عن وصف الأزمة الصحية بطريقة السجع، وتناولوا الأيام العالمية المعتمدة في الأمم المتحدة بنصوص وشواهد من التراث العربي والإسلامي، وتدربوا على مهارات النقد البنّاء، وتنمية مهارة الأجوبة الحاضرة من خلال الارتجال، وهكذا، وتخرج في المرقاة عدد من الخطباء و«الخطيبات» من المواطنين والمقيمين في دولة قطر، فكانت خدمة لغوية جديدة من نوعها لأنها أول منصة عربية مجانية لفن الخطابة.

وأما مبادرة «لسانياتكم» فإنها لم تنتهِ بعد؛ ولكن لمسنا آثارها من خلال الاهتمام الإعلامي بها،وكذلك الاهتمام بطروحات المبادرة، منها ما جاء أثناء المبادرة، ومنا ما هو مؤمل بعد المبادرة، لا نستطيع التصريح بكل ما وصل إلينا لأنه من حقوق الجهات التي ستعلن عنه، لكن فيها ما يخدم اللغة العربية على مستوى إحياء تراثها، وتدريس متونها بأحدث الطرائق، ومنها ما يخص اللغة والإعلام، ومنها ما يخص دورة للغة العربية للناطقين بغيرها والكاتبين بها ستعقد على هامش كأس العالم في قطر 2022، وغيرها الكثير من الأنشطة والفعاليات والبرامج التي ستنبثق من مبادرة «لسانياتكم»، فهذه آثار بعضها سيرى النور قريبًا وقريبا جدًا، واحد منها مطلع الشهر القادم نعني أغسطس.
شهد الملتقى القطري للمؤلفين انطلاق مبادرة لغوية جديدة، وهي مبادرة «لسانياتكم»، يقدمها كل من الإعلامي الأستاذ الدكتور عبدالله المرزوقي والخبير اللغوي الدكتور أحمد الجنابي، وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي تداولًا للحلقات الأسبوعية الأولى من هذه المبادرة، كما شهدت تغطية إعلامية واسعة.